كثيرون هم أولئك الناس الذين يتلون القرآن اليوم، أو يستمعون له على الإجمال، على أشكال وأغراض مختلفة. ولكن قليل منهم من " يَتَلَقَّى" القرآن!



وإنما يؤتي القرآنُ ثمارَ الذكر حقيقةً لمن تَلَقَّاهُ! وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَلَقَّى القرآن من ربه. قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ)( النمل:6).




ولا يزال القرآن معروضا لمن يتلقاه، وليس لمن يتلوه فقط !



أنْ تتلقى القرآن : معناه أن تتعامل مع آياته بصورة شهودية, أي كأنما أنت تشهد تنـزله الآن غضا طريا!



فتتدبره آيةً، آيةً، باعتبار أنها تنـزلت عليك لتخاطبك أنت في نفسك ووجدانك، فتبعث قلبك حيا في عصره وزمانه!



ومن هنا وصف الله تعالى العبد الذي "يتلقى القرآن" بهذا المعنى؛ بأنه يُلْقِي له السمع بشهود القلب!



قال تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)(ق:37).




ذلك هوالذاكر حقا، الذي يحصل الذكرى ولا يكون من الغافلين!



أن تتلقى القرآن : معناه إذن أن تصغي إلى الله يخاطبك! فتبصر حقائق الآيات وهي تتنـزّل على قلبك روحا. وبهذا تقع اليقظة والتذكر، ثم يقع التَّخَلُّقُ بالقرآن.



و أنْ تتلقى القرآن:معناه أيضا أن تتنـزل الآيات على موطن الحاجة من قلبك ووجدانك! كما يتنـزل الدواء على موطن الداء!



فآدم عليه السلام لما أكل هو وزوجه من الشجرة المحرمة؛ ظهرت عليهما أمارة الغواية؛بسقوط لباس الجنة عن جسديهما! فظل آدم عليه السلام كئيبا حزينا. قال تعالى: (فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا! وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ. وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)(طه:121).



ولم يزل كذلك حتى (تلقَّى) كلمات التوبة من ربه فتاب عليه؛ فكانت له بذلك شفاءً! وذلك قوله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم)(البقرة:37).



فهو عليه السلام كان في حاجة شديدة إلى شيء يفعله أو يقوله؛ ليتوب إلى الله، لكنه لا يدري كيف؟ فأنزل الله عليه - برحمته تعالى - كلمات التوبة؛ ليتوب بها هو وزوجه إلى الله تعالى. وهي – كما يقول المفسرون - قوله تعالى: (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(الأعراف:23)



فبمجرد ما أن تنـزلت الآيات على موطن الحاجة من قلبه؛ حتى نطقت بها الجوارح والأشواق؛ فكانت له التوبة خُلُقاً إلى يوم القيامة! وكان آدم عليه السلام بهذا أول التوابين! وذلك أخذه كلمات التوبة على سبيل (التلقي): (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ! )





فعندما تقرأ القرآن إذن استمع وأنصت! فإن الله جل جلاله يخاطبك أنت! وادخل بوجدانك مشاهد القرآن، فإنك في ضيافة الرحمن! هناك حيث ترى من المشاهد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر!




لكن كيف يكون التلقّي للقرآن ؟



أول الخطو في طريق تلقي القرآن هوتهييء القلب تهييئا، وإعداده إعدادا؛ لاستقبال آيات القرآن! تماما كما نهيء البدن والروح معا بفعل الوضوء؛ للدخول في الصلاة!



ولا يكون ذلك إلا بالأخذ بكل مجامع النفس، وكبح كل صوارفها، قصد اعتلاء مقام التلقي عن الله - خلال الصلاة وخارجهاثم فتح باب الروح لشلال النور، كلما أشرق وارده على القلب من السماء!





ولا تنس يا صاحبي استغلال أحسن الأوقات لذلك! فالأوقات لها أسرار،مما وردت به الآيات والأخبار،سيرا إلى الله عبر مدار الفَلَكِ السيَّار، ما بين العشي والإبكار وخلوات الأسحار.





فإذا قدحت بلسانك مصباح القرآن، فافتح بصيرة روحك؛ لمشاهدة جمال أسماء الله الحسنى عند تلاوته، ثم مشاهدة تجليات صفته تعالى بما هو منـزل القرآن.



وإياك والغفلة - عند التلاوة - عن أم الحقائق, وهي أن المتكلم بهذا القرآن إنما هو الله جل جلاله! فتأدب عند الوقوف أو الجلوس بين يديه تعالى بأدب العبودية! حتى لاتكون من المحجوبين!






ثم بعد ذلك تشرع في محاولة استكناه أسرار الآياتِ كلمةً كلمةً، والتحقق من موقع كل حقيقة إيمانية تتلقاها: ما حظها من نفسك؟ وما موقعها من سلوكك اليومي؟ وهناك تبدأ باكتشاف الثغرات والثلمات، لتضميدها وعلاجها.



ثم كرر التلاوة عند كل ثغرة وأمام كل علة!



انظر! ها هي ذي الجروح تلتئم،وها هي ذي الأمراض تتهيأ للشفاء! فسبح بحمد ربك واستغفره، وكن من الشاكرين!




ثم قم! هذه أنوارٌ من أسرار القرآن صارت لك الآن خُلُقاً، فَأَدِّ للهِ حَقَّ الدعوة إليه واشتغل بالنذارة للعالمين!





فيا نفسي العليلة! إلى متى وأنت تُغَلِّقِينَ الأبوابَ دونَ دواءِ القرآن؟ إلى متى وإلى متى؟ وهذه آياته تتنـزل من الرحمن شفاءً لا يغادر سقماً!





وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (الإسراء : 82)
منقول